الشوكاني
467
فتح القدير
الله عليه وآله وسلم بعث سرية في ليلتين بقيتا من المحرم فلقوا المشركين ، فقال المشركون بعضهم لبعض : قاتلوا أصحاب محمد فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام ، وإن أصحاب محمد ناشدوهم وذكروهم بالله أن يعرضوا لقتالهم فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام إلا من بادأهم ، وإن المشركين بدءوا فقاتلوهم ، فاستحل الصحابة قتالهم عند ذلك فقاتلوهم ونصرهم الله عليهم . وهو مرسل . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ( ومن عاقب ) الآية قال : تعاون المشركون على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه فأخرجوه ، فوعده الله أن ينصره ، وهو في القصاص أيضا . وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ( وأن ما تدعون من دونه هو الباطل ) قال : الشيطان . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ( إن الإنسان لكفور ) قال : يعد . المصيبات وينسى النعم . سورة الحج الآية ( 67 - 72 ) . عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الأديان عن منازعته فقال ( لكل أمة جعلنا منسكا ) أي لكل قرن القرون الماضية وضعنا شريعة خاصة ، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى ، وجملة ( هم ناسكوه ) صفة لمنسكا ، والضمير لكل أمة : أي تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها ، فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى ، والإنجيل منسك الأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والقرآن منسك المسلمين ، والمنسك مصدر لا اسم مكان كما يدل عليه هم ناسكوه ، ولم يقل ناسكون فيه . وقيل المنسك موضع أداء الطاعة ، وقيل هو الذبائح ، ولا وجه للتخصيص ، ولا اعتبار بخصوص السبب ، والفاء في قوله ( فلا ينازعنك في الأمر ) لترتيب النهي على ما قبله ، والضمير راجع إلى الأمم الباقية آثارهم : أي قد عينا لكل أمة شريعة ، ومن جملة الأمم هذه الأمة المحمدية ، وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين ، والنهي إما على حقيقته ، أو كناية عن نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن الالتفات إلى نزاعهم له . قال الزجاج : إنه نهي له صلى الله عليه وآله وسلم عن منازعتهم : أي لا تنازعهم أنت كما تقول لا يخاصمك فلان : أي لا تخاصمه ، وكما تقول لا يضاربنك فلان : أي لا تضاربه ، وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمنا ، ولا يجوز لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربه . وحكى عن الزجاج أنه قال في معنى الآية : فلا ينازعنك : أي فلا يجادلنك . قال : ودل على هذا ( وإن جادلوك ) وقرأ أبو مجلز " فلا ينزعنك في الأمر " أي